أحكام النقض - المكتب الفني - جنائي
السنة 44 - صـ 127

جلسة 20 من يناير سنة 1993

برئاسة السيد المستشار/ ناجي إسحق نقديموس نائب رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين/ أحمد عبد الرحمن وإبراهيم عبد المطلب نائبي رئيس المحكمة وأحمد عبد الباري سليمان ومحمود دياب.

(13)
الطعن رقم 15077 لسنة 61 القضائية

(1) إثبات "اعتراف". محكمة الموضوع "سلطتها في تقدير الدليل". إكراه. حكم "تسبيبه. تسبيب غير معيب".
الاعتراف في المسائل الجنائية. تقدير صحته وقيمته في الإثبات. موضوعي. لمحكمة الموضوع بحث صحة ما يدعيه المتهم من انتزاع الاعتراف منه بالإكراه.
(2) إجراءات "إجراءات التحقيق". إثبات "اعتراف". إكراه. رقابة إدارية. محكمة الموضوع "سلطتها في تقدير الدليل".
حضور رجال الرقابة الإدارية التحقيق لا يعيب إجراءاته. علة ذلك: سلطان الوظيفة في ذاته لا يعد إكراها. طالما لم يستطل إلى المتهم بأذى. مادي كان أو معنوي. مجرد الخشية منه لا تعد قرين الإكراه المبطل للاعتراف.
(3) إجراءات "إجراءات التحقيق". دفوع "الدفع ببطلان تحقيق النيابة العامة". نيابة عامة. رقابة إدارية. دعوى جنائية "قيود تحريكها". قانون "تفسيره".
دفع الطاعن ببطلان التحقيق لعدم حصول عضو الرقابة الإدارية على موافقة رئيس مجلس الوزراء عند إحالته للتحقيق. عدم جواز إثارته لأول مرة أمام النقض.
النص في المادة الثامنة من قانون تنظيم الرقابة الإدارية رقم 54 لسنة 1964 المعدل على وجوب الحصول على موافقة رئيس مجلس الوزراء عند إحالة بعض الموظفين للتحقيق. لا يعتبر قيداً على حرية النيابة العامة في إجراء التحقيق معهم. علة ذلك: اعتباره مجرد منظم للعمل في الرقابة الإدارية.
للنيابة العامة الحق في اتخاذ ما تراه من إجراءات ولو أبلغت إليها الجريمة من آحاد الناس. طالما إنها من الجرائم التي لا يخضع رفع الدعوى الجنائية عنها أو ضد المتهم بارتكابها لأي قيد من تلك الواردة في قانون الإجراءات الجنائية.
(4) إجراءات "إجراءات المحاكمة". دفاع "الإخلال بحق الدفاع. ما لا يوفره". نقض "أسباب الطعن. ما لا يقبل منها".
عدم التزام المحكمة بالرد إلا على الطلب الجازم الذي يصر عليه مقدمة في طلباته الختامية.
(5) رشوة. جريمة "أركانها". موظفون عموميون. إثبات "بوجه عام". محكمة الموضوع "سلطتها في استخلاص الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى" "سلطتها في تقدير الدليل". حكم "تسبيبه. تسبيب غير معيب". نقض "أسباب الطعن. ما لا يقبل منها".
جريمة طلب الرشوة. ما لا يؤثر في قيامها؟.
الجدل الموضوعي في سلطة محكمة الموضوع في وزن عناصر الدعوى وتقدير أدلتها. غير جائز أمام النقض.
النعي على المحكمة بما لا تأثير له على عقيدتها فيما استخلصته من صورة صحيحة للواقعة. غير مقبول.
(6) رشوة. جريمة "الجريمة المستحيلة". حكم "تسبيبه. تسبيب غير معيب". دفاع "الإخلال بحق الدفاع. ما لا يوفره". نقض "أسباب الطعن. ما لا يقبل منها".
متى تعد الجريمة مستحيلة؟.
النعي على الحكم التفاته عن دفاع الطاعن باستحالة جريمة الرشوة. غير مقبول. طالما أن الثابت توافر اختصاصه بالعمل الذي طلب من أجله الرشوة بما يسمح له بتنفيذ الغرض منها.
دفاع الطاعن باستحالة استلام الرشوة بموجب الشيكات المحررة لعدم قابليتها للصرف. مردود بطلبه استلامها نقداً.
(7) رشوة. تسجيل المحادثات والتصوير. حكم "تسبيبه. تسبيب غير معيب" "ما لا يعيبه في نطاق التدليل".
عدم قبول النعي على الحكم بالفساد في التدليل بالنسبة لدليل معين ما دامت المحكمة لم تعول عليه في قضائها.
مثال.
1 - من المقرر أن الاعتراف في المسائل الجنائية من عناصر الاستدلال - التي تملك محكمة الموضوع كامل الحرية في تقدير صحتها وقيمتها في الإثبات، ولها أن تأخذ به متى اطمأنت إلى صدقه ومطابقته للحقيقة والواقع، كما أن لها أن تقدر عدم صحة ما يدعيه المتهم من أن الاعتراف المعزو إليه قد انتزع منه بطريق الإكراه بغير معقب عليها ما دامت تقيم تقديرها على أسباب سائغة.
2 - من المقرر أنه لا ينال من سلامة الحكم ما يدعيه الطاعن من وجود أحد رجال الرقابة الإدارية لدى سؤاله بتحقيق النيابة، ذلك أنه ليس في حضور رجال الرقابة الإدارية التحقيق - بفرض صحة ذلك - ما يعيب إجراءاته، لأن سلطان الوظيفة في ذاته بما يسبغه على صاحبه من اختصاصات وسلطات لا يعد إكراه ما دام لم يستطل إلى المتهم بالأذى مادياً كان أو معنوياً، إذ أن مجرد الخشية منه لا يعد من الإكراه المبطل للاعتراف لا معنى ولا حكماً ما لم تستخلص المحكمة من ظروف الدعوى وملابساتها تأثر إرادة المتهم من ذلك السلطان حين أدلى باعترافه ومرجع الأمر في ذلك لمحكمة الموضوع ولما كانت المحكمة قد استخلصت سلامة اعتراف الطاعن بتحقيق النيابة، فإن ما ينعاه الطاعن على الحكم في هذا الخصوص يكون في غير محله.
3 - لما كان يبين من محاضر جلسات المحاكمة أن الطاعن لم يدفع ببطلان تحقيق النيابة لعدم حصول عضو الرقابة الإدارية على موافقة رئيس مجلس الوزراء عند إحالته للتحقيق طبقاً للمادة الثامنة من القانون رقم 54 لسنة 1964، فإنه لا يجوز له إثارة هذا الدفع لأول مرة أمام محكمة النقض، هذا فضلاً عن أن ما نص عليه الشارع في المادة الثامنة من القانون رقم 54 لسنة 1964 بإعادة تنظيم الرقابة الإدارية من أنه "يجوز للرقابة الإدارية أن تجرى التحريات والمراقبة السرية بوسائلها الفنية المختلفة كلما رأت مقتضى لذلك، وإذ أسفرت التحريات أو المراقبة عن أمور تستوجب التحقيق أحيلت الأوراق إلى النيابة الإدارية أو النيابة العامة حسب الأحوال بإذن من رئيس الرقابة الإدارية أو من نائبه وعلى النيابة الإدارية أو النيابة العامة إفادة الرقابة بما انتهى إليه التحقيق، ويتعين الحصول على موافقة رئيس المجلس التنفيذي (أصبح رئيس مجلس الوزراء) بالنسبة إلى الموظفين الذين في درجة مدير عام فما فوقها أو الموظفين الذين تجاوز مرتباتهم الأصلية 1500 جنيه سنوياً عند إحالتهم للتحقيق"، ولا يعدو أن يكون إجراء منظماً للعمل في الرقابة الإدارية ولا يعتبراً قيداً على حرية النيابة العامة في إجراء التحقيق، فالخطاب في النص موجه إلى الرقابة الإدارية، أما النيابة العامة فهي تسير في التحقيق والتصرف فيه وفقاً لقانون الإجراءات الجنائية، فطالما كانت الجريمة التي باشرت الرقابة الإدارية إجراءات التحريات والمراقبة بشأنها من الجرائم التي لا يخضع رفع الدعوى الجنائية عنها أو ضد المتهم بارتكابها لأي قيد من القيود الواردة في قانون الإجراءات الجنائية، فإن ما تتخذه النيابة العامة من إجراءات يكون بمنأى عن أي طعن، ولو كانت إحالة الأوراق إليها من الرقابة الإدارية لم يلتزم في شأنها بنص المادة الثامنة - المار ذكرها - لأن من حق النيابة العامة أن تتخذ ما تراه من إجراءات ولو أبلغت إليها الجريمة من آحاد الناس، ومن ثم فإن النعي على الحكم في هذا الخصوص يكون غير سند.
4 - من المقرر أن المحكمة لا تلتزم بالرد إلا على الطلب الجازم الذي يصر عليه مقدمة ولا ينفك عن التمسك به والإصرار عليه في طلباته الختامية، ومن ثم فإن النعي على الحكم بدعوى الإخلال بحق الدفاع لا يكون مقبولاً.
5 - من المقرر أنه لا يؤثر في قيام جريمة طلب الرشوة أن تكون قد وقعت نتيجة تدبير لضبطها، وألا يكون المرتش جاداً في طلب الرشوة متى كان طلبها جدياً في ظاهره، وكان الغرض منه العبث بمقتضيات الوظيفة لمصلحة الراشي، وكان الحكم المطعون فيه فيما حصله من واقعة الدعوى وما أورده من الأدلة المستمدة من أقوال شهود الإثبات - المقاول....... و.......، و....... - واعتراف المتهم بالتحقيقات، قد دلل على مقارفة الطاعن لجريمة طلب الرشوة التي دانه بها، وتوافر أركانها في حقه، فإن ما ينازع فيه الطاعن من أن جهة الرقابة الإدارية هي التي وضعت النقود في شقته، وما ساقه من قرائن على نفي استلامه مبلغ الرشوة، يتمخض جدلاً موضوعياً في سلطة محكمة الموضوع في وزن عناصر الدعوى وتقدير أدلتها مما لا تجوز إثارته أمام محكمة النقض، كما أن ما يجادل فيه الطاعن من أن المقاول المبلغ هو الذي عد مبلغ النقود بمفرده خلافاً لما ذهب إليه الحكم في هذا الشأن على فرض صحته لا تأثير له على عقيدة المحكمة فيما استخلصته من صورة الواقعة الصحيحة وما ساقته من الأدلة المنتجة التي صحت لديها على ثبوت الواقعة في حق الطاعن، ويضحى النعي على الحكم في هذا الخصوص غير سديد.
6 - من المقرر أن الجريمة لا تعد مستحيلة إلا إذا لم يكن في الإمكان تحققها مطلقاً، كأن تكون الوسيلة التي استخدمت في ارتكابها غير صالحة البتة لتحقيق الغرض الذي يقصده الفاعل أما إذا كانت الوسيلة صالحة بطبيعتها ولكن الجريمة لم تتحقق بسبب ظرف آخر خارج عن إرادة الجاني، فإنه لا يصح القول بالاستحالة، وكان الطاعن ولئن أثار في دفاعه بمحضر جلسة المحاكمة وبأسباب طعنه أن الجريمة مستحيلة الوقوع لعدم إمكان اعتماد الحساب الختامي بعد طلب المستندات الخاصة بالعملية لفحصها، إلا أنه لم يدع بانتفاء اختصاصه الوظيفي في فحص مستندات العملية واعتماد الحساب الختامي الخاص بها، وإذ كان الثابت من مدونات الحكم المطعون فيه توافر اختصاص الطاعن بالقيام بالعمل الذي طلب الرشوة من أجله بما يسمح له بتنفيذ الغرض من الرشوة، فإنه لا على المحكمة إن هي التفتت عن دفاعه في هذا الشأن ولم تتعقبه فيه، كما أن ما يثيره الطاعن من استحالة استلام الرشوة بموجب الشيكات المحررة، لأنها غير قابلة للصرف لعدم توقيع المقاول عليها وإبلاغه البنك المسحوب عليه بفقدها، مردود بأنه طلب من المقاول استلام مبلغ الرشوة نقداً وهو ما تحقق له بتسليمه ذلك المبلغ، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن بشأن استحالة وقوع الجريمة يكون على غير أساس.
7 - لما كان ما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه من إنه عول على مشاهدة المحكمة بهيئة سابقة لصورة الواقعة بالأجهزة الفنية، وهو ما لا أصل له في الأوراق إذ أن ما تم تصويره بتلك الأجهزة خاص بالأحداث اللاحقة على الواقعة، مردود بأن ما أثبت بمحاضر جلسات المحاكمة السابقة، من أن المحكمة شاهدت شريط الفيديو بواسطة رجال الإذاعة من أن الطاعن قد أقر بصورته المشاهدة بذلك الشريط وأن التصوير كان بحجرة صالون مسكنه، إنما يعني أن ما شاهدته المحكمة هو صورة لأحداث الجريمة في المكان الذي تم فيه الضبط والأشخاص الذين كانوا موجودين على مسرحها في ذلك الوقت وليست صورة الواقعة برمتها كما حصلها الحكم في مدوناته واستخلصها من جماع الأدلة والعناصر التي كانت مطروحة أمام المحكمة على بساط للبحث، وكان الطاعن لا ينازع في أن ما حصله الحكم عن صورة الواقعة - له أصله الصحيح بالأوراق - ، وكان الثابت بمدونات الحكم أن المحكمة لم تعول على تسجيلات هاتفية بين الطاعن والمقاول - المبلغ - ، فإن ما ينعاه الطاعن على الحكم في هذا الخصوص بدعوى الفساد في التدليل يكون غير مقبول.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة الطاعن وآخرين بأنهم: بصفته موظف عام "مدير الإدارة الهندسية بوزارة........." طلب والآخرين وأخذوا عطية للإخلال بعمل من أعمال وظيفتهم بأن طلبوا من مقاول البناء........ مبلغ اثنين وسبعين ألف جنيه أخذوا منه بمعرفة المتهم المذكور اثنين وثلاثين ألف جنيه على سبيل الرشوة مقابل تسهيل اعتماد الحساب الختامي لما قام بتنفيذه ذلك المقاول من أعمال لصالح الوزارة بغير اتباع الإجراءات والأصول الفنية الواجبة في هذا الشأن. وأحالته إلى محكمة جنايات القاهرة لمعاقبته طبقاً للقيد والوصف الواردين بأمر الإحالة والمحكمة المذكورة قضت حضورياً عملاً بالمادتين 103، 104 من قانون العقوبات مع تطبيق المادة 17 من ذات القانون بمعاقبته بالأشغال الشاقة لمدة خمس سنوات وتغريمه خمسة آلاف جنيه فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض (قيد بجدول محكمة النقض برقم..... لسنة 57 ق) وبجلسة..... قضت محكمة النقض بقبول الطعن شكلاً وفى الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه وإعادة القضية إلى محكمة جنايات أمن الدولة العليا بالقاهرة للفصل فيها مجدداً من هيئة أخرى ومحكمة الإعادة قضت حضورياً بمعاقبة المتهم.... بالسجن لمدة خمس سنوات عما أسند إليه وبتغريمه ألف جنيه فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض للمرة الثانية........ إلخ.


المحكمة

من حيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجريمة الرشوة، قد شابه قصور في التسبيب وفساد في الاستدلال وانطوى على إخلال بحق الدفاع، ذلك بأن الطاعن دفع ببطلان اعترافه بالتحقيقات لحصوله نتيجة إكراه وقع عليه، وحضور رجل الرقابة الإدارية أثناء التحقيق معه، ورد الحكم على هذا الدفع بما لا ينفي قيام ذلك الإكراه، إذ أغفل شهادة ابنة الطاعن -...... بالجلسة ودلالتها على حصول الإكراه الذي وقع عليه وأطرح شهادة زوجته..... - أمام المحكمة - في هذا الخصوص - بما لا يسوغ به إطراحها، وعول الحكم على تحقيق النيابة رغم بطلانه لعدم حصول عضو الرقابة الإدارية على موافقة رئيس مجلس الوزراء عند إحالة الطاعن للتحقيق طبقاً للمادة الثامنة من القانون رقم 54 لسنة 1964، وأغفل الرد على طلبات الطاعن التي تمسك بها أثناء المحاكمة السابقة، وتلك التي أبداها أمام الهيئة التي نظرت الدعوى مجدداً، والخاصة بتشكيل لجنة فنية لبيان العملية وإجراء المعاينة وضم دفاتر الزيارة والحصر والرسومات - وتقرير ترقية الطاعن، وندب خبير لفحص التسجيلات وتشكيل لجنة لحصر المخالفات، ولم يعرض لدفاع الطاعن من أن الجريمة وقعت نتيجة تحريض من الرقابة الإدارية والمقاول المبلغ، بدلالة أن تلك الجهة هي التي وضعت النقود داخل شقته دون علمه، ومن أن عدم وجود بصمات له على الحقيبة المضبوطة يقطع بأنه لم يتسلم مبلغ الرشوة، وليس فيما ذهب إليه الحكم من مدوناته من أنه اعترف بضبط مبلغ الرشوة في مسكنه ما يفيد في ذاته أنه تسلم ذلك المبلغ، كما أن قاله الحكم بأنه والمقاول قد عدا المبلغ المضبوط لا تتفق وأقوال الأخير من أنه هو الذي عد النقود، والتفت الحكم عن دفاع الطاعن من أن الجريمة مستحيلة الوقوع، لاستحالة اعتماد الحساب الختامي بعد طلب المستندات الخاصة بالعملية لفحصها، واستحالة استلام الرشوة بموجب الشيكات المحررة لأنها شيكات غير قابلة للصرف لعدم توقيع المقاول عليها وإبلاغه البنك المسحوب عليه بفقدها، وأن ما عول عليه الحكم من أن المحكمة بهيئة سابقة شاهدت صورة الواقعة بالأجهزة الفنية لا أصل له في الأوراق، إذ أن ما تم تصويره بتلك الأجهزة خاص بالأحداث اللاحقة على الواقعة، كما أن ما استند إليه الحكم من التسجيلات ليس له أصل بالتحقيقات، إذ أن المقاول قرر بأنه لم يجر تسجيلاً للطاعن لعدم وجود هاتف لديه - مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية لجريمة الرشوة التي دان الطاعن بها، وأورد على ثبوتها في حقه أدلة مستمدة من أقوال شهود الإثبات وما جاء بأشرطة التسجيل والتصوير، واعتراف المتهم بالتحقيقات، وهى أدلة سائغة من شأنها أن تؤدى إلى ما رتبه عليها. لما كان ذلك وكان الحكم قد عرض للدفع ببطلان اعتراف الطاعن لحصوله نتيجة إكراه ورد عليه في قوله "وحيث إنه إزاء أدلة الثبوت سالفة البيان والت تطمئن إليها المحكمة وتأخذ بها فإن التهمة ثابتة في حق المتهم، ولا يغير من ذلك إنكار المتهم بجلسة المحاكمة الأخيرة، والمحكمة لا تطمئن لأقوال الشاهدة المذكورة التي جاءت متأخرة بعد نقض الحكم، وبالتالي فهي لا تطمئن إلى وقوع إكراه أثر على إرادة المتهم في اعترافه، ولما كان الأصل في الإجراءات الصحة، وعلى مدعي العكس إثباته، وهو ما عجز المتهم عن إثباته، فإن قوله بوقوع إكراه عليه قد جاء مرسلاً خالياً من الدليل وحتى كان اعترافه قد جاء في تحقيقات النيابة العامة التي هي في الأساس موضع الثقة والاطمئنان إلى عدم وقوع تأثير ما على المتهم في اعترافه أمامها، فإن دفاعه في هذا الصدد يكون مردوداً عليه بما تقدم"، وكان من المقرر أن الاعتراف في المسائل الجنائية في عناصر الاستدلال التي تملك محكمة الموضوع كامل الحرية في تقدير صحتها وقيمتها في الإثبات، ولها أن تأخذ به متى اطمأنت إلى صدقه ومطابقته للحقيقة والواقع، كما أن لها أن تقدر عدم صحة ما يدعيه المتهم من أن الاعتراف المعزو إليه قد انتزع منه بطريق الإكراه بغير معقب عليها ما دامت تقيم تقديرها على أسباب سائغة، وكان ما أورده الحكم المطعون فيه - على السياق المتقدم - كافياً وسائغاً في الرد على الدفاع ببطلان اعتراف الطاعن، ويفصح عن اطمئنان المحكمة إلى ذلك الاعتراف وصحته، ولا يقدح في ذلك أن تكون المحكمة قد التفتت عن أقوال ابنة الطاعن وأطرحت شهادة زوجته - في هذا الخصوص - ذلك أن البين من أقوال الشاهدتين بمحاضر جلسات المحاكمة، أن إحداهما أو كلاهما لم تشر إلى أن إكراها قد وقع على الطاعن بقصد حمله على الاعتراف، فإن ما انتهى إليه الحكم من القضاء برفض الدفع وتأسيساً على قالته بأن الدفع ببطلان الاعتراف قول مرسل لا دليل عليه، والالتفات عن أقوال ابنة الطاعن وأطرح شهادة الزوجة في هذا الشأن يكون في محله، كما لا ينال من سلامة الحكم في هذا الصدد ما يدعيه الطاعن من وجود أحد رجال الرقابة الإدارية لدى سؤاله بتحقيق النيابة، ذلك أنه ليس في حضور رجال الرقابة الإدارية التحقيق - بفرض صحة ذلك - ما يعيب إجراءاته، لأن سلطان الوظيفة في ذاته بما يسبغه على صاحبه من اختصاصات وسلطات لا يعد إكراه ما دام لم يستطل إلى المتهم بالأذى مادياً كان أو معنوياً، إذ أن مجرد الخشية منه لا يعد من الإكراه المبطل للاعتراف لا معنى ولا حكماً ما لم تستخلص المحكمة من ظروف الدعوى وملابساتها تأثر إرادة المتهم من ذلك السلطان حين أدلى باعترافه ومرجع الأمر في ذلك لمحكمة الموضوع ولما كانت المحكمة قد استخلصت سلامة اعتراف الطاعن بتحقيق النيابة، فإن ما ينعاه الطاعن على الحكم في هذا الخصوص يكون في غير محله. لما كان ذلك، وكان يبين من محاضر جلسات المحاكمة أن الطاعن لم يدفع ببطلان تحقيق النيابة لعدم حصول عضو الرقابة الإدارية على موافقة رئيس مجلس الوزراء عند إحالته للتحقيق طبقاً للمادة الثامنة من القانون رقم 54 لسنة 1964، فإنه لا يجوز له إثارة هذا الدفع لأول مرة أمام محكمة النقض، هذا فضلاً عن أن ما نص عليه الشارع في المادة الثامنة من القانون رقم 54 لسنة 1964 بإعادة تنظيم الرقابة الإدارية من أنه "يجوز للرقابة الإدارية أن تجرى التحريات والمراقبة السرية بوسائلها الفنية المختلفة كلما رأت مقتضى لذلك، وإذ أسفرت التحريات أو المراقبة عن أمور تستوجب التحقيق أحيلت الأوراق إلى النيابة الإدارية أو النيابة العامة حسب الأحوال بإذن من رئيس الرقابة الإدارية أو من نائبه وعلى النيابة الإدارية أو النيابة العامة إفادة الرقابة الإدارية بما انتهى إليه التحقيق، ويتعين الحصول على موافقة رئيس المجلس التنفيذي (أصبح رئيس مجلس الوزراء) بالنسبة إلى الموظفين الذين في درجة مدير عام فما فوقها أو الموظفين الذي تجاوز مرتباتهم الأصلية 1500 جنيه سنوياً عند إحالتهم للتحقيق"، ولا يعدو أن يكون إجراء منظماً للعمل في الرقابة الإدارية ولا يعتبر قيداً على حرية النيابة العامة في إجراء التحقيق، فالخطاب في النص موجه إلى الرقابة الإدارية، أما النيابة العامة فهي تسير في التحقيق والتصرف فيه وفقاً لقانون الإجراءات الجنائية، فطالما كانت الجريمة التي باشرت الرقابة الإدارية إجراءات التحريات والمراقبة بشأنها من الجرائم التي لا يخضع رفع الدعوى الجنائية عنها أو ضد المتهم بارتكابها لأي قيد من القيود الواردة في قانون الإجراءات الجنائية، فإن ما تتخذه النيابة العامة من إجراءات يكون بمنأى عن أي طعن، ولو كانت إحالة الأوراق إليها من الرقابة الإدارية لم يلتزم في شأنها بنص المادة الثامنة - المار ذكرها - لأن من حق النيابة العامة أن تتخذ ما تراه من إجراءات ولو أبلغت إليها الجريمة من آحاد الناس، ومن ثم فإن النعي على الحكم في هذا الخصوص يكون على غير سند. لما كان ذلك، وكان يبين من محاضر جلسات المحاكمة أن المدافع عن الطاعن ولئن تمسك بصدر مرافعته بجلسة المحاكمة الأخيرة بالطلبات التي أبداها بمرحلة المحاكمة السابقة، إلا أنه اختتم مرافعته بطلب البراءة دون أن يعاود التمسك بتلك الطلبات، فإنه لا على المحكمة إن هي لم تعرض لها وأغفلت الرد عليها، لما هو مقرر من أن المحكمة لا تلتزم بالرد إلا على الطلب الجازم الذي يصر عليه مقدمة ولا ينفك عن التمسك به والإصرار عليه في طلباته الختامية، ومن ثم فإن النعي على الحكم بدعوى الإخلال بحق الدفاع لا يكون مقبولاً. لما كان ذلك، وكان من المقرر أنه يؤثر في قيام جريمة طلب الرشوة أن تكون قد وقعت نتيجة تدبير لضبطها، وألا يكون المرتشي جاداً في طلب الرشوة متى كان طلبها جدياً في ظاهره، وكان الغرض منه العبث بمقتضيات الوظيفة لمصلحة الراشي، وكان الحكم المطعون فيه فيما حصله من واقعة الدعوى وما أورده من الأدلة المستمدة من أقوال شهود الإثبات - المقاول...... و...... و..... - واعتراف المتهم بالتحقيقات، قد دلل على مقارفة الطاعن لجريمة طلب الرشوة التي دانه بها، وتوافر أركانها في حقه، فإن ما ينازع فيه الطاعن من أن جهة الرقابة الإدارية هي التي وضعت النقود في شقته، وما ساقه من قرائن على نفي استلامه مبلغ الرشوة، يتمخض جدلاً موضوعياً في سلطة محكمة الموضوع في وزن عناصر الدعوى وتقدير أدلتها مما لا تجوز إثارته أمام محكمة النقض، كما أن ما يجادل فيه الطاعن من أن المقاول المبلغ هو الذي عد مبلغ النقود بمفرده خلافاً لما ذهب إليه الحكم في هذا الشأن على فرض صحته لا تأثير له على عقيدة المحكمة فيما استخلصته من صورة الواقعة الصحيحة وما ساقته من الأدلة المنتجة التي صحت لديها على ثبوت الواقعة في حق الطاعن، ويضحى النعي على الحكم في هذا الخصوص غير سديد. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن الجريمة لا تعد مستحيلة إلا إذا لم يكن في الإمكان تحققها مطلقاً، كأن تكون الوسيلة التي استخدمت في ارتكابها غير صالحة البتة لتحقيق الغرض الذي يقصده الفاعل أما إذا كانت الوسيلة صالحة بطبيعتها ولكن الجريمة لم تتحقق بسبب ظرف آخر خارج عن إرادة الجاني، فإنه لا يصح القول بالاستحالة، وكان الطاعن ولئن أثار في دفاعه بمحضر جلسة المحاكمة وبأسباب طعنه أن الجريمة مستحيلة الوقوع لعدم إمكان اعتماد الحساب الختامي بعد طلب المستندات الخاصة بالعملية لفحصها، إلا إنه لم يدع بانتفاء اختصاصه الوظيفي في فحص مستندات العملية واعتماد الحساب الختامي الخاص بها، وإذ كان الثابت من مدونات الحكم المطعون فيه توافر اختصاص الطاعن بالقيام بالعمل الذي طلب الرشوة من أجله بما يسمح له بتنفيذ الغرض من الرشوة، فإنه لا على المحكمة إن هي التفتت عن دفاعه في هذا الشأن ولم تتعقبه فيه، كما أن ما يثيره الطاعن من استحالة استلام الرشوة بموجب الشيكات المحررة، لأنها غير قابلة للصرف لعدم توقيع المقاول عليها وإبلاغه البنك المسحوب عليه بفقدها، مردود بأنه طلب من المقاول استلام مبلغ الرشوة نقداً وهو ما تحقق له بتسليمه ذلك المبلغ، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن بشأن استحالة وقوع الجريمة يكون على غير أساس. لما كان ذلك، وكان ما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه من أنه عول على مشاهدة المحكمة بهيئة سابقة لصورة الواقعة بالأجهزة الفنية، وهو ما لا أصل له في الأوراق إذ أن ما تم تصويره بتلك الأجهزة خاص بالأحداث اللاحقة على الواقعة، مردود بأن ما أثبت بمحاضر جلسات المحاكمة السابقة، من أن المحكمة شاهدت شريط الفيديو بواسطة رجال الإذاعة، ومن أن الطاعن قد أقر بصورته المشاهدة بذلك الشريط وأن التصوير كان بحجرة صالون مسكنه، إنما يعنى أن ما شاهدته المحكمة هو صورة لأحداث الجريمة في المكان الذي تم فيه الضبط والأشخاص الذين كانوا موجودين على مسرحها في ذلك الوقت وليست صورة الواقعة برمتها كما حصلها الحكم في مدوناته واستخلصها من جماع الأدلة والعناصر التي كانت مطروحة أمام المحكمة على بساط البحث، وكان الطاعن لا ينازع في أن ما حصله الحكم عن صورة الواقعة - له أصله الصحيح بالأوراق - ، وكان الثابت بمدونات الحكم أن المحكمة لم تعول على تسجيلات هاتفية بين الطاعن والمقاول - المبلغ - ، فإن ما ينعاه الطاعن على الحكم في هذا الخصوص بدعوى الفساد في التدليل يكون غير مقبول. لما كان ما تقدم، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً.